السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
22
مختصر الميزان في تفسير القرآن
واعلم أن في الكلام إشعارا أو دلالة على اقتصار الحرمة في غيبة المسلمين ، ومن القرينة عليه قوله في التعليل : « لَحْمَ أَخِيهِ » فالاخوّة إنما هي بين المؤمنين . وقوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ظاهره أنه عطف على قوله : « اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ » إن كان المراد بالتقوى هو التجنب عن هذه الذنوب التي كانوا يقترفونها بالتوبة إلى اللّه سبحانه فالمراد بقوله : « إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ » أن اللّه كثير القبول للتوبة رحيم بعباده التائبين اليه اللائذين به . وإن كان هو التجنب عنها والتورّع فيها وإن لم يكونوا يقترفونها فالمراد بقوله : « إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ » أن اللّه كثير الرجوع إلى عباده المتقين بالهداية والتوفيق والحفظ عن الوقوع في مهالك الشقوة رحيم بهم » . وذلك أن التوبة من اللّه توبتان : توبة قبل توبة العبد بالرجوع اليه بالتوفيق للتوبة كما قال تعالى : ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ( التوبة / 118 ) ، وتوبة بعد توبة العبد بالرجوع اليه بالمغفرة وقبول التوبة كما في قوله : فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ( المائدة / 39 ) . قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ الخ ؛ الشعوب جمع شعب بالكسر فالسكون وهو على ما في المجمع الحيّ العظيم من الناس كربيعة ومضر ، والقبائل جمع قبيلة وهي دون الشعب كتميم من مضر . وقولوه إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ استئناف مبين لما فيه الكرامة عند اللّه سبحانه ، وذلك أنه نبههم في صدر الآية على أن الناس بما هم ناس يساوي بعضهم بعضا لا اختلاف بينهم ولا فضل لأحدهم على غيره ، وأن الاختلاف المترائي في الخلقة من حيث الشعوب والقبائل إنما هو للتوصل به إلى تعارفهم ليقوم به الاجتماع المنعقد بينهم إذ لا يتمّ